الحسد لا يجعلك مصوراً ناجحاً؟
قيل في شعر الحكمة
حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه** فالقوم أنداد له وخصومُ
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ** حسداً وبغيا إنه لدميمُ
مرّ في التاريخ كثير من أصحاب الطاقات الإبداعية والمواهب، لكنهم عانوا أمراضًا نفسية فتكت بتلك الطاقات وأهدرت مواهبهم. بل تحول بعضهم إلى شياطين من الإنس، يعيثون في الأرض فسادًا وخرابًا، وينتهكون كرامة الآخرين دون سبب سوى الحقد والكراهية التي استقرت في صدورهم وأنهكت قلوبهم.
هؤلاء فشلوا فشلًا لم يستطيعوا جبره، وأدركوا ذلك في قرارة أنفسهم، فراحوا يحاربون الناجحين، ويضعفون عزيمتهم، وينتقصون من تفوقهم.
لقد جهلوا حق أنفسهم، وغابت عنهم حقيقة الآخرين. واستغلوا الانفتاح الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في غير ما ينبغي. فبدل أن ينشروا الثقافة ويروجوا للفن ليكون منارة للناس، أخذوا يشوهون صورة أقرانهم بالزور والبهتان.
وهذا السلوك لا يقتصر على المجال الفني، بل نراه في مختلف مجالات الحياة. غير أننا نخصّه بالحديث هنا لأننا ننتمي إلى هذا المجال. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه النزعة بقوله تعالى: **﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾**. إنها سلوكيات قديمة متجذرة في النفس البشرية.
يأتي الحسد في مقدمة أسبابها، إذ يشبه أصحابها إبليس في حسده لآدم عليه السلام. وتأتي الغيرة في المرتبة الثانية، حين تجرد الإنسان من إنسانيته وتبعده عن العقل والحلم.
ومن أسبابها أيضًا ضحالة التجربة وعدم مواكبة الواقع المتجدد. فعندما يشعر المرء أن ما يقدمه لم يعد كافيًا، بدل أن يطور نفسه وينمي قدراته، ينشغل بمراقبة الآخرين وتتبع نجاحاتهم. وهكذا يهمل اهتماماته الحقيقية التي يمكن أن تحقق طموحه وتبني ذاته.
وقد يكون الشعور بالدونية سببًا آخر، فيرى صعود الآخرين انتقاصًا من شأنه، ودليلًا على محدودية إمكاناته وضعف حضوره. عندها يتخيل أن الجميع يقفون ضده، ويحملهم مسؤولية ما أصابه، بينما يعفي نفسه من اللوم والمحاسبة.
والجميل أن الناجحين لا يتوقفون طويلًا عند هذه السلوكيات المنحرفة، ولا يسمحون لها بأن تسرق وقتهم أو تعطل مسيرتهم. فهؤلاء يريدون جرّهم إلى الخلف، بينما يتجه الناجحون نحو أهداف واضحة يسعون إلى بلوغها.
ونقول لمن يرى أن أعمال الآخرين ضعيفة فنيًا أو لا تنسجم مع ذائقته الجمالية: اطرح أفكارك ورؤاك، وساهم في تصحيح المسار إذا كنت ترى أنه خاطئ. وإذا وجدت عملًا يحتاج إلى تقويم، فانتقده بوضوح واحترام، ولا تنتقص من صاحبه في الظلام كالخفافيش.
غادروا ساحة صراعكم الداخلي، وشجعوا من يحتاج إلى التشجيع، وادعموا الجميع دون ازدواجية أو كيل بمكيالين. كونوا طاقة إيجابية تشبه باقة الورد، تنشر عطرها في المكان، ولا تنصبوا أنفسكم أوصياء على الفن، فتتحدثوا باسمه وتقللوا من جهود الآخرين.
### نفحة
الحياة لا تستحق كل هذا القدر من الغل والحسد والكراهية. فغدًا سنرحل جميعًا، ولن يبقى بعدنا سوى أثر إنساني، طيبًا كان أو سيئًا. فانظر ماذا تريد أن تترك وراءك.
حسين نجم السماوي
