 |
| عدسة الذات |
عدسة الذات: قراءة سيكولوجية (نفسية) في الصورة الشخصية.
الصورة الشخصية أو ما نعبر عنه بتصوير الوجوه(البورتريه) بالخصوص، ليست تمثيلاً بصرياً للوجه أو المظهر الخارجي، ولا تُختزل الذات بما تلتقطه العدسة، بهل هي انعكاس نفسي عميق لهوية الفرد وتفاعله مع ذاته والمجتمع والبيئة المحيطة به.
ومن منظور سيكولوجي(نفسي) تعتبر الصورة الشخصية "عدسة الذات" التي تنقل صورة مركبة تجمع بين الواقع النفسي، والهوية الاجتماعية لتصل في بعض الأحيان تعبر عن الرغبات الداخلية.
بل أن البورتريه يكون في مرحلة معينة وعبر التكوين والضوء والتمثيل، تنعكس الذات كمرآة مزدوجة: بين ما نحن عليه وما نرغب أن نكونه “سنشير لما قاله رولان بارت"، بل هي صراع بين الواقع والرغبة، وبين الانا والأخر "كما جاء في نظرية فرويد النفسية" تتجلى الذات بوصفها موضوعاً ساكناً أمام العدسة فحسب، بل كيان يتداخل فيه المرئي بالمكبوت، والظاهر والمتخيل، لذا أصبحت الصورة الشخصية في هذا الزمن الرقمي اليوم وتحولاته وتمدد حضور الهوية البصرية، ما هي إلا انعكاسات مزدوجة للوعي واللاوعي، مما يدفعنا الى استكشافها ضمن قراءة سيكولوجية وفنية تسبر أغوارها النفسية.
عدسة الذات- انعكاس نفسي لهوية الفرد
تًعتبر عدسة الذات انعكاس نفسي عميق لهوية الفرد وتفاعله، وصورة معلقة بعالم بين الواقع النفسي والهوية الاجتماعية، وضرورة فعل تعبيري لا يخلو من تمثيل مقصود.
فالصورة الشخصية تًعد ساحة إسقاطيه، يعيد فيها الفرد من خلال تشكيل صورته الرمزية، ويقدمها للأخر كما يتمنى أن يًرى، أو كما يخشى أن يحكم عليه، فالصورة ليست محايدة، بل محملة بشحنات إنسانية من الرغبة والقلق والتمويه، كما أشار لذلك "جان لاكان" في مفهومة عن المرآة، حينما عبر عنها "كبنية لتكوين الانا".[1]
ان عدسة الذات هنا بوصفها استعارة معرفية تنسج العلاقة بين المصوِر وهويته، وبين الكاميرا كأداة تقنية وبينها كأداة تحليل نفسي، لذا فان اختيار الشخص لتأطير ذاته داخل الصورة، هو بالضرورة فعل تعبيري لا يخلو من تمثيل مقصود.
الصورة الشخصية: مساحة معقدة للتعبير عن الذات
تُعد الصورة الشخصية "البورتريه" فن عميق يعبر عن الذات ويكشف عن الروح، إذا لاحظنا من انه أكثر الفنون قدرة على نقل الاحاسيس والمشاعر الإنسانية، إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الحكمة القائلة من أن " العيون هي مرآة الروح" والعيون هي الجزء الأهم في تصوير البورتريه لما لها من طاقة عجيبة في نقل خلجات النفس وما يعتريها من مشاعر مختلفة. لذا فإن الوجه علاوة على ما تقدم يتحول إلى خطاب سردي فوتوغرافي، أو تشكيلي، يُسهم في بناء الفكرة، من أنه متخيل للذات، يحمل خلفه اختبارات واعية وغير واعية ترتبط بالهوية والانتماء تارة، وبين الرفض والصراع تارة أخرى.
البورتريه يشبه المرآة
من منظور التحليل النفسي، يشبه البورتريه "المرآة" التي تحدثنا عنه سلفاً عند المفكر والفيلسوف الفرنسي لاكان، حيث عبر عنها" تتشكل الأنا بين التماهي والانقسام، وتظهر الصورة كمسرح نفسي يُعرض فيه ما يراد الأفصاح عنه وما يكتم.
وبإمكاننا أن نجمل هذا المطلب بالنقاط الأتية:
1. الصورة الشخصية تعبير عن الهوية النفسية للفرد، فهي ليست مجرد ملامح خارجية، بل تعكس مكوناته الداخلية مثل الميول والدوافع وحتى الاتجاهات النفسية، بل هي كاشفة عن، كيف يرى الشخص نفسه، وكيف يريد أن يظهر امام المجتمع، وهذا الامر يظهر مدى تفاعله مع ذاته ومجتمعه.
2. المدرسة السلوكية
وفق هذه المدرسة السلوكية، الشخصية تُفهم من خلال السلوك الظاهر الذي يمكن ملاحظته، وهذا نلاحظه من خلال تحليل شخصية المجرم أو الفنان، وحتى الرؤساء والشخصيات المهمة في المجتمع، دراسة سلوكه وميوله تكون من خلال صورة. حيث إن هذا السلوك الظاهر يعبر عن ذاتية الفرد وتحليل تعبيرات الوجه، ووضعية الجسم، وحركة اليدين في الصورة يكشف لنا سماته الشخصية، مثل الانفتاح والثقة أو التوتر، بل حتى حركة العين واتجاهها دالة على أنماط شخصية، وكل نمط كاشف لنا عن طريقة معينة في التفكير والتفاعل مع البيئة أو بما يعبر عن لغة الجسد. (يراجع مقالي لغة الجسد)
3. السياق الثقافي والاجتماعي وتأثيره على الصورة
الشخصية تتأثر بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها، فنجد بعض الصور الشخصية هي عامل مهم في كشف السياق الثقافي والاجتماعي الذي يعيشه الفرد، فيكون من الضروري أنها تعكس تراثه الحضاري وقيم مجتمعه، مما يجعل الصورة مهمه في إدراك تلك السياقات. والأمثلة على ذلك كثيرة، فلباس أهل الأهوار يختلف، عن لباس أهل المدينة، وكذلك لباس العراقيين، يختلف عن لباس أهل مصر أو الخليج وهكذا. ولا نستطيع فهم ذلك السياق إلا من خلال الصورة الشخصية.
4. استخدام النظريات النفسية المتعددة
لقد أشرنا في الفقرة (2) عن المدرسة السلوكية لفهم الصورة، ويمكننا دمج نظريات متعددة مثل التحليل النفسي، والسلوكي، والمعرفي، لفهم أعمق للصورة الشخصية، حيث يدرس التحليل النفسي الدوافع الداخلية، والسلوكي يركز على المظاهر الخارجية، وأيضا المعرفي يهتم بكيفية إدراك الفرد لنفسه وللأخرين.[2]
رولان بارت ونظرية الصورة الشخصية:
الصورة الشخصية عند رولان بارت تُفهم في إطار تحليله العميق للصورة الفوتوغرافية، حيث ينتقل من مجرد تصوير الذات إلى الكشف عن الرغبة الكامنة وراء الصورة.
في كتابه " الغرفة المضيئة" قد يكون في مقالات سابقة ولقاءات ترجمناه ب" الغرفة المظلمة" ينتقل بمفهوم الصورة الشخصية من تصوير الذات إلى الكشف عن الرغبة الكامنة وراء الصورة، حيث يرى أن الصورة الفوتوغرافية ليست مجرد تمثيل واقعي للذات، بل لحظة غامضة بين الحياة والموت تحمل دلالات وجودية تتجاوز الشكل الظاهري.
ذهب رولان بارت بالصورة إلى اقصى حد، رافضاً تمثيلها الواقعي للذات متسائلا: " هل الصورة تمثل من نحن فعلاً" أم ما نريد أن نكونه؟ فهو يرى أن البورتريه لا يعكس حقيقة الذات، بل يرسمها من جديد، فالصورة ليست تمثيلاً للواقع، بل تقمصاً لنسخة مأمولة من الذات.
يميز بارت في تحليله بين:
• الذات موضوع للصورة: حيث تُعرض ملامح الشخص كهوية مادية ملموسة، لكنها ليست ثابتة، بل معرضة للتأويل والتغيير.
• الرغبة في الصورة: يسلط الضوء "رولان بارت" على أن الصورة تعبر عن رغبة ما، سواء كانت رغبة الذات في الظهور أو رغبة المتلقي في تأويلها بطريقة معينة. بل أن الصورة تحمل بُعداً إيحائياً يتجاوز الوصف التقريري، فتكون بمثابة خطاب رمزي يعبر عن تمثلات نفسية وثقافية عميقة.
• الصورة كوسيط بين الذات والرغبة: يعتقد بارت ان الصورة الشخصية ليست تعبيراً عن الذات، بل هي أيضاً تمثيل للرغبة في أن تُرى الذات بطريقة معينة، أو أن تُخفي جوانب أخرى، أي أنها تلعب دور في تشكيل الهوية الاجتماعية والنفسية من خلال التفاعل مع المتلقي.[3]
وبالتالي يمكن القول إن الصورة الشخصية عند رولان بارت هي رحلة من الذات إلى الرغبة، حيث تتداخل الهوية الحقيقية مع الرغبة في التمثيل والإيقاع، مما يجعل الصورة أكثر من انعكاس للواقع، بل نصاً بصرياً يحمل معانٍ متعددة ومتغيرة حسب السياق والتأويل، وهذا حسب وجهة نظري ينطبق مع النظرية الرمزية، الدوسوسورية السيميائية يراجع مقالي حول (الرمزية العلامة: الإشارة أهميتها في المشهد الفوتوغرافي)
خلاصة:
تحليل الصورة الشخصية من منظور ثقافي مختلف هو قراءة عميقة تتجاوز المظهر الخارجي، بل هو فعل وجودي يواجه فيه الإنسان صورته وذاته، لتشمل فيه فهم الرموز والدلالات الثقافية، والسياق الديني والفلسفي، وكذلك تأثر القيم الاجتماعية على تشكل الصورة وتفسيرها.
إن الصور الشخصية هنا ليست انعكاس للذات، بل نص بصري متعدد الطبقات يعاد تأويله حسب الثقافة التي ينتمي اليها المصور والمتلقي، وتكمن أهمية الصورة الشخصية في كونها لغة للهوية كما أسلفنا، ومرآة للذات كما عبر عنها لاكان، وأداة تحليل كاشفة عن حال الشخص وميوله ومرتكزاته.
فكل صورة شخصية هي في جوهرها سيرة ذاتية مختصرة، تُكتب بالضوء، وتُقرأ بالبصيرة.
--------------------------------------------
1- مفهوم "المرحلة المرآة" لدى جان لاكان يُعتبر حجر الزاوية في تحليل النفس الذي يدرس كيفية تطور الهوية الذاتية لدى الطفل من خلال التفاعل مع صورته المنعكسة.
2- كتاب أساليب تحليل الصورة/ الدكتورة نهلة عيسى.
3- كتاب الغرفة المضيئة (رولان بارت)،وسردية الخطاب وسردية الصورة عند رولان بارت قراءة المعنى وآليات التأويل. أ/ بن زاهية عبد الله-جامعة الجزائر. مجلة قراءات العدد التاسع 2016