مدونة ظل الضوء

مدونة فنية متخصصة في تحليل الصورة الفوتوغرافية وتقديم النقد الفني البناء. نقدم مقالات وبحوثاً فنية معمقة تجمع بين جمالية الصورة والتقنيات الاحترافية، لتكون الملتقى الأول للمصورين وعشاق التصوير الفوتوغرافي.

random

آخر المقالات

random
recent
جاري التحميل ...

صعود الفوضى وكسر التوازن سردية في الجماليات المعاصرة

صعود الفوضى وكسر التوازن: سردية في الجماليات المعاصرة



تحليل فني لصعود الفوضى وكسر التوازن في التصوير الفوتوغرافي


شهدت النظريات الجمالية الغربية، ومنذ نهايات القرن التاسع عشر، تحولات جذرية في استيعابها لمفهوم الجمال، تمثلت في التباعد مع المبادئ الكلاسيكية التي كانت تحكم النظرة إلى التكوين البصري، ومن تلك التكوينات معيار التوازن، بوصفة عنصراً بنيوياً لضمان التناغم والانسجام داخل العمل الفوتوغرافي. لقد كان هذا التوازن مفهوماً مهماً وضرورياً في المدرسة الكلاسيكية.

وعندما أقول الكلاسيكية، فنحن نتحدث عن مفاهيم ومعايير تكوينية جديدة، تختص بعصر الحداثة وما بعدها، حالها حال التطور النقدي والمعارف الإنسانية، والنظرة المختلفة لفلسفة الفن، وحسب اطلاعي فإن أغلب النظريات والمدارس تطورت وتحولت نتيجة الظروف السياسية، والحروب، والتغيرات الاقتصادية.

فالتوازن في المدرسة الكلاسيكية ومبادئها كان يقاس وفق معايير رياضية أو ميتافيزيقية، تجسد تصورات عن النظام الكوني، والتناسق الطبيعي، والنسب الذهبية، كما درسناها في بداياتنا لتعلم التصوير الفوتوغرافي ومعرفة تكويناته.

وضمن هذا التحول برز مفهوم " الفوضى المنظمة" بوصفه مظهراً من مظاهر الثورة المفاهيمية، لا تهدف إلى نفي الجمال، أكيداً ليس هذا مرادها، بل إلى إعادة صياغته عبر منظور يضع الاختلال، واللا تناظر، والتوتر البصري في صميم التجربة الجمالية (راجع بحثي حول التوتر البصري)

والتوازن كنموذج من معايير الجمال تلقى نقداً متصاعداً مع بروز الحداثة، حيث بدأ الفن يتجه إلى "زعزعة مفاهيم الانسجام لصالح التعبير الفردي، واللايقين، والتجريب. لذا أنبثق للساحة النقدية والفنية مفهوم "الفوضى المنظمة" التي شكلت رداً معرفياً وجمالياً على الكلاسيكية الصارمة في قواعدها، بل ذهب الأمر لأكثر من ذلك متمثلاً رداً فكرياً على النزعة الوضعية التي حكمت الذوق البورجوازي في القرن التاسع عشر، حينما كانت الطبقة البورجوازية هي من تحكم وتتحكم بالفن والثقافة العامة.

إلى ماذا يُشير مفهوم الفوضى المنظمة؟

يشير مفهوم الفوضى المنظمة إلى تركيبات بصرية أو معمارية أو "فوتوغرافية" وهي محل اهتمامنا، تبدو للوهلة الأولى عبثية أو غير متماسكة، لكنها تخفي داخلياً، منطقاً بنيوياً غير تقليدي، لا يخضع للتماثل أو التناظر، بل ينبني على إيقاع داخلي، أو توتر ديناميكي، أو سردية غير خطية

ونلاحظ ذلك مثلاً في:

·       التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي: والذي يُقصد إلى إحداث اختلال في المشهد، أو تشويش بصري مقصود لتوليد دلالة تتجاوز المرئي المباشر بالنسبة للمتلقي، وتحيل المعنى لمفاهيم غير ما يشُاهد.

·       العمارة التفكيكية: كما في أعمال زها حديد (اقرأ مقالي:  (زها حديد بعدسة المصور الضوئي).


مقال فوتوغرافي نقدي تحليلي مخصص لرؤية المصورلإعمال زها حديد


 أو أعمال دانيال ليبسكند، حيث يتم تفكيك الشكل الهندسي التقليدي لصالح تعبيرات عضوية وانسيابية تتحدى الإدراك التقليدي للفراغ.

تفكيك الشكل الهندسي التقليدي لصالح تعبيرات عضوية وانسيابية تتحدى الإدراك التقليدي للفراغ


·       الفن التجريدي الحركي : كما في أعمال الفنان التشكيلي جاكسون بولوك، حيث لا وجود لتوازن بصري بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكات فوضوية من الحركة اللونية، التي تشبه العبثية دون هدف معروف، والتي تنتج طاقة حسية قائمة بذاتها. 

أعمال الفنان التشكيلي جاكسون بولوك، حيث لا وجود لتوازن بصري بالمعنى الكلاسيكي


الجمال يُعاد تعريفه :

أعُيد تعريف الجمال من كونه نظاماً مكتملاً، إلى كونه حقلاً مفتوحاً للتأويل، نتيجة لهذا التحولات، فإن الفوضى لم تعد نقيضاً للنظام، بل أحد أشكاله الممكنة، وحين تكون الفوضى محملة بالمعنى، أو حين تحمل إيقاعاً داخلياً غير مرئي للوهلة الأولى.

لقد أصبح الجمال المعاصر مشروعاً مفتوحاً، يسمح بالتوتر، والصدمة، والتناقض، لا بوصفها عيوباً في التكوين، وهنا لا بد لنا أن نتأمل بهذا التحول الفكري لتعريف الجمال، خصوصاً في هذه النقطة، بحيث لم يًعد يًنظر إليه بوصفه حالة من النظام البصري أو الصفاء الشكلي، بل بوصفه آثراً شعورياً أو مفهوماً قد يتحقق من التوتر، الصدمة، أو حتى من القبح المتعمد (لنا وقفة مع مفهوم القبح ومعناه في الفن)، وعلى ما تقدم غدت الفوضى شكلاً من أشكال الجمال المعاصر، لا لإنها تكشف تعددية الرؤى، بل تحرر المعنى من قبضة البنية المغلقة، لفضاء واسع من المعارف الإنسانية.

صراع التوازن والحداثة: صراع من أجل الجمال

1.    التوازن الكلاسيكي كنموذج للجمال

درسنا وتعلمنا وإلى وقت الناس هذا، من أن التوازن في الفن الكلاسيكي ينظر أليه بوصفه تجلياً للنظام العقلي والكوني، كما جاء في كتاب دافنشي(التصوير) وبعض رسوماته، حيث تخضع تكويناته البصرية لقواعد صارمة تقوم على المحاور المتقابلة، النسب الذهبية، التناسق الخطي، كانت هذه المبادئ تعبيراً عن تصور فلسفي يرى في الجمال صورة مصغرة من انتظام الطبيعة وعقلنتها، التي تمثلت بالنسبة الذهبية في الكائنات الحية حتى أن بعض الفلاسفة اعتبرها النسبة الإلهية في الموجودات، وذلك واضح من خلال أعمال عصر النهضة، والعمارة الاغريقية، وحتى التصوير الأكاديمي في القرن التاسع عشر.

2.    الفوضى المنظمة كنمط جديد للتكوين

استجابة للبحث عن نظام جديد داخل اللا نظام الظاهري وفي خضم هذه الثورة البصرية جاء مفهوم "الفوضى المنظمة"

حيث لم يعًد العمل الفني ملزماً بإرضاء الذوق عبر التماثل، بل أصبح بإمكانه أن ينتج جمالاً نافراً، متوتراً، يثير التساؤل بدلاً من الطمأنينة، التي يوجبها إتباع التوازن الكلاسيكي. وعلى ما تقدم فإن الفنان سيتخلى عن التوازن الكلاسيكي لصالح:

·       تنوع الإيقاع البصري بدل التماثل.

·       تشظي التكوين، بل المركزية للنظرة.

·       التحفيز المفاهيمي بدل الإشباع الجمالي التقليدي.

 

ولو تابعنا المنتج الفوتوغرافي لمصورين معاصرين كتغذية بصرية (سيأتي كأمثلة مع المقال)، فإننا نلاحظ أن هذه السمات في التصوير الفوتوغرافي قد كسرت القواعد الكلاسيكية للكادر والإضاءة، ليقدم المشهد كتجربة تأويلية لا كنظام مغلق. وهذا ما نجده ظاهراً في العمارة التفكيكية، حيث تستخدم الخطوط المائلة، والأشكال غير المتوازنة، والتكوينات المعمارية المتداخلة، لتوليد انفعالات تتحدى إدراكنا والمعتاد للفراغ والبنية، ولو لاحظنا أن كسر القواعد هنا الكلاسيكية أو غيرها، جاءت وفق قصدية، ومعرفة دلالية، وإدراكات جمالية، وليست وليدة خطأ يصيب صورة المصور، وعند السؤال؟ يخبرنا " أنا أكسر القاعدة"، ليس هكذا تورد الأبل! فكسر القاعدة أو المعيار وليد الثقافة والمعرفة ووعي تراكمي نابع من التتبع وتنمية الذات ليصل الفنان لأسلوبية يخرج بها عن دون سواه، تصب في مصلحة الرسالة الفوتوغرافية.


3.    الفوضى كجمال بصري

لا يتبادر لذهن القارئ اللبيب، من أن الفوضى المنظمة تعني العبث، بل أنها دعوة لإعادة النظر في المنطق الكامن خلف الصورة، بعيداً عن الخضوع لقواعد جاهزة. نرى ذلك واضحاً بأعمال المصور الأمريكي (ستيفن شور  (Stephen Sho الذي وثق الحياة اليومية الأمريكية بتكوينات خالية من الدراما الكلاسيكية، مستخدماً الضوء الطبيعي، والزوايا المباشرة، وغياب المركز البصري الواضح، وكأنها إشارة خفية لقواعد الفوضى المنظمة، وقد راكز على الحياة اليومية والمشاهد العادية التي غالباً ما نتجاهلها، بأسلوب مباشر غير درامي.

 

(Stephen Shore الذي وثق الحياة اليومية الأمريكية بتكوينات خالية من الدراما الكلاسيكية


ومثال أخر قادم من الضفة الأوربية، يأتي المصور  أندرياس جورسكي  Andreas Gursky   ليصوغ لنا  الفوضى البصرية الكبرى" من أعلى، مصوراً الأسواق، والحشود، والمنشأة الصناعية، حيث تًظهر أعماله مفهوم، اللا ترتيب هو الترتيب ويبدو الإنسان مجرد نقطة في نسيج مفرط في البنية، لكن بلا مركزية. في أعمال أندرياس لا يوجد "توازن" بل كثافة تخلق توازنها الذاتي، مثل ضوضاء تتحول إلى موسيقى بفعل التكرار. 

Andreas Gursky أندرياس جورسكي ليصوغ لنا " الفوضى البصرية الكبرى" من أعلى، مصوراً الأسواق، والحشود


4.    الاختلال كوسيلة للتأمل

حديثاً وحسب المدارس الأوربية، تنتقل الصورة المعاصرة من محاكاة الجمال إلى تفكيكه، ولم تعد الغاية أن تكون الصورة جميلة (نظريات الجمال تختلف في تعريف الجمال) بل أن تكون كاشفة، مؤرقة، متعددة الطبقات، (يراجع مقالي الضوء كاشف عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه).

 

نلاحظ ذلك من خلال أعمال المصورة اليابانية ريتشي سوزوكي (Rinko Kawauchi) التي يظهر من أعمالها أنها تمارس الاختلال البصري عبر تفاصيل هامشية، إضاءات واهية، لقطات مشوشة عمداً، حيث الاختلال البصري يقود إلى مكاشفة داخلية، وهذا بحد ذاته تعبيراً نفسياً، يقود لنظريات فلسفية، تخرج الصورة بثوب جديد.


Rinko Kawauchi التي يظهر من أعمالها أنها تمارس الاختلال البصري عبر تفاصيل هامشية

 

5.    نحو حساسية جمالية جديدة

إن المعرفة التراكمية للأجيال المتعاقبة، والتحول الجمالي، من التوازن الكلاسيكي إلى الفوضى المنظمة، ليس مجرد نزعة بصرية، بل هو حساسية جديدة تجاه العالم والتطور الإنساني، بل إنه تعبير عن اللامركزية المعرفية، وتشظي الذات المعاصرة، ورغبة الفنان في التحرر من السرديات الكبرى. في الصورة الفوتوغرافية يصبح الإطار أفقياً مفتوحاً، والمحتوى الفوتوغرافي غير محكوم بمعادلة الجمال، بل منطلقاً لسؤال وجودي أكبر: ماذا يكشف هذا التكوين عن العالم؟ عني؟ عن اللحظة؟

بهذا المعنى العميق، يمكن القول، أن الصورة الفوتوغرافية لم تعد تمثل، بل تُؤول. وهذا المفهوم التأويلي له دور في سعة الدائرة الجمالية وكيف ينظر للفن كمنجز.


مشاهد "فوتوجينية"

قبل أن أختم المقال، هل سمعت بهذا المصطلح؟

الكثير منا لم يسمع به، وهذا ليس تقصيراً من المصور، ولنقل إنه يتحمل جزء من هذا التقصير، إلا أن جهاتنا الفنية والفوتوغرافية منها بالخصوص، لم نقرأ لها أو نحضر ندوات تشرح وتبين ما وصل اليه الفن عالمياً، والبقاء في دائرة الاطلاع، ومزامنة عصر المعلومة، مع المصورين!

كذلك المصور الفوتوغرافي، الأغلب منه، لا يقرأ، أو يتابع، أو يبحث، من أجل اتساع دائرة معارفه، وسعة الأفق، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على أعماله المقدمة.


إذاً ماذا نعني ب “المشاهد الفوتوجينية"

عندما نقول " مشاهد فوتوجينية" فإننا نقصد: هي تلك اللقطات، والزوايا، أو المواضيع التي لا تعتبر جاذبة للمتلقي، أو جميلة وفق معايير الجمال التقليدية للتصوير، والتي أشرنا لها في بداية حديثنا في هذا المقال.

ويتمثل هذا المفهوم حسب الفهم الكلاسيكي في:

  •        التقاط صورة لشارع مهجور أو متسخ.
  •        واجهة أبنية متهالكة، أو مر الزمن عليها وفعل فعلته بها.
  •          تصوير شخص في لحظة شرود أو عدم وعي بالكاميرا "لحظة عفوية" دون علم الشخص.
  •        عناصر مشوشة، أو مقطوعة، أو غير مكتملة داخل الإطار.

كانت هذه العناصر في المدارس الجمالية الكلاسيكية، تُستبعد لأنها وحسب المنطوق الكلاسيكي "لا تليق" بفكرة الجمال.

لكن في مدارس ما بعد الحداثة، أصبح للمشاهد واللقطات غير الفوتوجينية قيمة سردية وشاعرية، وهدف ومعنى.

أصبحت تمثل:

  •        الفوضى المنظمة.
  •       المهمش، والهامشي.
  •         المهمل، او المتروك شأنه.
  •         الصامت بصرياً، إلا نه يعبر عن معنى أخر.

فهده المعاني أصبحت تدعونا لا لنعجب بها! بل هي دعوة للتفكير والتأمل، أو لنشعر بواقع لم نعد نعتد بتمثيله من خلال الصورة الفوتوغرافية.


خاتمة: الفوضى قيمة جمالية معاصرة

حسب رأيي وفهمي والمرء لا يتعدى فهمه، أن هذه المعايير التكوينية والجمالية الحديثة، لو أوليناها نحن معاشر المصورين في أعمالنا، يكون قد قفزنا بها نحو سماء عالية المدلولات الفلسفية، كبيرة المضامين الإنسانية، وفي ضوء ما تقدم يمكن القول إن مفهوم " الفوضى المنظمة" لا يمثل مجرد تحول بصري معاصر، بل هو تجسيد لتحول معرفي وثقافي عميق، حيث أصبحت الذات، والتجربة، والانفعال، والاختلاف، مركزية في العمل الفني، جاعلاً من الفوضى لغة جديدة للنظام، ومن الصدمة مساراً للتأمل، ومن التوتر شرطاً للجمالية البصرية.


المراجع:

·       جان بودريار- محاكاة ومحاكاة مفرطة لفهم العلاقة بين الصورة والواقع.

·       جاك دريدا- الكتابة والاختلاف: كمصدر لفهم التفكيك بوصفة ممارسة فلسفية/جمالية.

·       سوزان سونتاغ- حول الفوتوغرافيا: لإدراك تحول النظرة إلى الصورة كموقف نقدي.

·       بوريس غرويس- عن الفن المعاصر: تأملات في موت الشكل التقليدي وصعود الفن المفهومي.

·       رولان بارت- الغرفة المضيئة: مقارنة شاعرية وفلسفة لجوهر الفوتوغرافيا.

·       قراءة نقدية في أعمال المصور إبراهيم نبيل (واقعية الخيال وخيال الواقع في المد الضوئي)

عن الكاتب

Hussein Najem

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مدونة ظل الضوء