التخطي إلى المحتوى الرئيسي

زها حديد بعدسة المصور الضوئي قراءة فنية في الضوء والتجريد المعماري

زها حديد بعدسة المصور الضوئي: قراءة فنية في الضوء والتجريد المعماري


مدخل فني:

حينما نتطرق إلى التطور المعماري الذي شهدته السنوات الأخيرة، ومدى تأثيره على القيم الجمالية والعملية الإبداعية، وإحياء روح الحضارات بأسلوب يتماشى مع العصر، لا بد من التوقف عند المدرسة المعمارية الفريدة لزها حديد.

زها حديد بعدسة المصور الضوئي: قراءة فنية في الضوء والتجريد المعماري

لقد استطاعت أن تفرض حضور الخطوط والمنحنيات بدلالاتها الفلسفية والفنية، تاركةً إرثًا معماريًا متفردًا، تتجلّى فيه هيبة التكوين وسموّ الدلالة، إلى جانب عبقرية التجريد واستقلالية كل مساحة في إطار وحدوي هندسي غنيّ بالمعاني.


الإبداع الفني بين الفلسفة والتجريد:

يُقال في تاريخ الفن: إن الفنان هو من يُعيد صياغة الإبداع وفق نظرته الخالصة، لا بتكرار الجمال بل بترجمته. فله حرية اختيار ضربات فرشاته واتجاه ألوانه ومساحاته، ليُترجم أحاسيسه ويُظهر مدى تأثره.

يرى كروتشه في كتابه فلسفة الفن:

"الفنان إنما يقدم صورة أو خيالًا، والذي يتذوق الفن ينظر من النافذة التي هيأها له الفنان. فإذا به يعيد هذه الصورة في نفسه... فتلك جميعًا مترادفات تتردد باستمرار حين نتحدث عن الفن".

هذه الرؤية تُعزز فكرة مشاركة المتلقي في التجربة الفنية، وتحفيزه على التأمل والتفاعل مع الرسالة البصرية.


عدسة أحمد قدوره والتجريد المعماري:

العمل الذي قدّمه المصور الفلسطيني أحمد قدوره، والحائز على الجائزة الفضية والبرونزية في مسابقة Epson International Pano Awards، يُعد من النماذج البارزة في التصوير التجريدي المعماري.

زها حديد بعدسة المصور الضوئي: قراءة فنية في الضوء والتجريد المعماري

زها حديد بعدسة المصور الضوئي: قراءة فنية في الضوء والتجريد المعماري

يُجسّد هذا العمل أسلوب "الفاين آرت" بلمسة تجريدية حسية، تسرد حكاية صراع بين الأسود والأبيض. أجاد الفنان إسقاط المعاني على الواقع، وأعاد بناء الجمال برؤية نابعة من التذوق الفني العميق.


الضوء كرمز فلسفي:

من خلال الخط الأفقي المنحني الأبيض، عبّر الفنان عن تدفق المعنى من العلو إلى الاستقرار الأرضي. فالضوء، في هذا السياق، يحمل بعدًا فلسفيًا: إنه خيرٌ نازل من الأعلى، ينتشر على الأرض، فيعمّ أثره.

الأعمدة الموزعة فوق الجسر تؤكد هذا المدّ الضوئي، وتعزز رمزية التوازن.
أما استخدام الشتر البطيء، فقد أضفى ملمسًا حريريًا للماء، أشبه بمرآة تعكس المشهد برويّة، ما يمنح المتلقي فرصةً للهدوء والتأمل.


هندسة الضوء والظل:

استخدم الفنان التظليل التدريجي بالأسود للحفاظ على مركزية الضوء، فجاء الأبيض بطلاً بلا منازع. أما السماء، فلم يتركها خالية، بل أضاف لها بُعدًا دراميًا، من خلال الغيوم الممدودة بالتعريض الطويل، لتوازن الضوء في منتصف الصورة.


تحية لزها حديد:

لم يبتعد الفنان عن هوس زها حديد بالخطوط والمنحنيات؛ بل جعل الخط الأفقي يخترق المنطقة البيضاء بثبات، كمفهوم إنساني تجريدي عن التواصل بين ضفتين.
لقد وعى المصور أهمية الخط في بناء المعنى النفسي والبصري، مؤكدًا أن التجريد المعماري ليس فقط جمالًا بصريًا، بل فلسفة كاملة تعكس وعياً ودهشة.


خاتمة:

أحمد قدوره، كونه مهندسًا معماريًا، لم يلتقط صورة فحسب، بل قدّم تحليلاً بصريًا يتّحد فيه الفن مع العمق المعرفي. أعاد قراءة أحد أعمال زها حديد بعدسته، وتحسس تفاصيلها كطفل يكتشف ملمس عنق والدته، باحثًا عن نبض الجمال في صمت الظل والضوء.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عدسة الذات قراءة سيكولوجية في الصورة الشخصية

  عدسة الذات عدسة الذات: قراءة سيكولوجية (نفسية) في الصورة الشخصية. الصورة الشخصية أو ما نعبر عنه بتصوير الوجوه(البورتريه) بالخصوص، ليست تمثيلاً بصرياً للوجه أو المظهر الخارجي، ولا تُختزل الذات بما تلتقطه العدسة، بهل هي انعكاس نفسي عميق لهوية الفرد وتفاعله مع ذاته والمجتمع والبيئة المحيطة به. ومن منظور سيكولوجي(نفسي) تعتبر الصورة الشخصية "عدسة الذات" التي تنقل صورة مركبة تجمع بين الواقع النفسي، والهوية الاجتماعية لتصل في بعض الأحيان تعبر عن الرغبات الداخلية. بل أن البورتريه يكون في مرحلة معينة وعبر التكوين والضوء والتمثيل، تنعكس الذات كمرآة مزدوجة: بين ما نحن عليه وما نرغب أن نكونه “سنشير لما قاله رولان بارت"، بل هي صراع بين الواقع والرغبة، وبين الانا والأخر "كما جاء في نظرية فرويد النفسية" تتجلى الذات بوصفها موضوعاً ساكناً أمام العدسة فحسب، بل كيان يتداخل فيه المرئي بالمكبوت، والظاهر والمتخيل، لذا أصبحت الصورة الشخصية في هذا الزمن الرقمي اليوم وتحولاته وتمدد حضور الهوية البصرية، ما هي إلا انعكاسات مزدوجة للوعي واللاوعي، مما يدفعنا الى استكشافها ضمن قراءة سيكو...

الظلال في التصوير الفوتوغرافي بين المعنى النفسي والرمزي والتجلي القرآني

الظلال في التصوير الفوتوغرافي: بين المعنى النفسي والرمزي والتجلي القرآني قراءة في عمل المصور الفوتوغرافي AbdelAzim Altaghloby photography AbdelAzim Altaghloby مقدمة منذ عرف الإنسان الضوء ، عرف معه الظل . فالظل ليس مجرد انعدام الضوء، بل له بًعداً وكيان بصري ووجداني وجمالي، يحفز على التأمل ويثير التساؤل. فلا تكتمل صورة أو عمل ضوئي دون توازن الضوء والظل، وكأنهما ركنان متكاملان وتوأمين لا يفترقان في تشكيل الرؤية والمعنى. لذا نجد الظل في التصوير الفوتوغرافي يعد أساساً يساهم في تشكيل العمق والبعُد والمزاج العام للصورة. فالصورة التي تعتمد على توزيع مدروس للضوء والظل، تخلق إحساساً بالدراما أو الحنين أو الغموض حسب العمل المقدم. الظلال حسب المدرستين النقديتين النفسية والرمزية أما التفسير النفسي للظلال، "وهنا على المصور أن يدرك ذلك المعنى" ينظر إلى الظل بوصفه جزءً من اللاوعي، حيث يمثل الجانب المكبوت أو المنسي في الذات، وكناية عن الوحدة أو الغياب، أو حتى حضور غير مرئي. ففي بعض الأحيان حينما يصور المصور الظلال فإنه يعكس صراعاته بشكل غير واعٍ أو أحلامه أو حتى قلقه، لذا والحال كذلك ف...

الضوء كاشف عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه

  الضوء كاشف: عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه. الضوء في الصوة الفوتوغرافي ة، عامل مهم لنجاحها، فكل صورة أو تعرض ضوئي يعتمد اعتمادا كلينا على الضوء. ويتحول هذا العامل الرئيسي، إلى كاشف عن حالة إنسانية داخلية، تظهر مكامن النفس أكثر مما يظهر المشهد في تفاصيله الأخرى وعناصره. وفي طريقة استغلال الضوء ومن خلال الرمزيات أو طرق توزيعه، وفي تكوينه تكمن الرسالة والسردية البصرية. فقد يكون هذا الضوء حاد في صورة هادئة، وهنا يرمز ويكشف عن القلق أو الاضطراب، أو أن تكون معتمة لكن ببقعة ضوء خافتة تعبر عن الأمل أو التفائل، او الفرج، أو انتهاء أزمة أو مشكلة وهكذا ممن يدخل ضمن النظريات النفسية والفلسفية للفن. بعض المفاهيم الفلسفية والنفسية للضوء لسفارته في الصورة:         جمالياً: يرتبط هذا المفهوم بنظرية الضوء والظل في الفن الكلاسيكي، حيث يرمز ومن خلال هذه النظرية إلى العقل و الوعي و العلم والمعرفة، بينما يشير المعنى المضاد للضوء أي الظل إلى اللاوعي وما هو مكبوت، وما تخفيه النفس الإنسانية..         فلسفياً: نستطيع الاستعانة بالفهم الفينوم...