التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءة فنية لعمل المصور الضوئي الأستاذ عبد الرضا عناد

ضوء وايقاع سومري.
قراءة فنية لعمل المصور الضوئي الأستاذ عبد الرضا عناد



تقديم/ حسين نجم السماوي . 
الجزء الأول مخصص للقراءة الفنية بالأدوات الفوتوغرافية.



رأيت بهذا الأسلوب انني سوف لن ابخس حق هذا العمل الضوئي . 

قراءة فنية لعمل المصور الضوئي الأستاذ عبد الرضا عناد
قراءة فنية لعمل المصور الضوئي الأستاذ عبد الرضا عناد
المقدمة: 


لا انفصال بين الشكل والمضمون في هكذا عمل تناثرت في فيافي مساحاته الشاسعة إيقاعات بصرية تميزت بالتوازن للكتل وأثقال لم تميل لجهة دون اخرى. لم تكن المعضلة التي واجهتها أمام هذه السمفونية الضوئية تكمن في القراءة الأدبية ، بل كانت المعاناة تكمن في عملية الربط بين اجزاء الكادر وبين فكرة الفنان عبد الرضا في صفائها الفلسفي، لذا عولت على المد البصري والتواصل ورصد العلاقة بين أسس الضوء والاستجابة لها. فهي عمل (انثروبولوجي مرئي)* خصب يفتح الأفق لنا ليخرجه من قيده الفوتوغرافي لتصبح ثلاثية الأبعاد. ( هذه الثلاثية في التمدد تُصّير الصورة شفرة[CODDE ] تختزن ترميزا موحي بالمشهد الذي عكسته سطحا، فضلا عن ذلك تُدرك الصورة بوصفها جينة [ Gene ] تتكاثف فيها كل موروثات وصبغات اللحظة التي يعيد فيها إنتاج المركب الحيوي فوتوغرافيآ)**. ليست المشكلة في ابصار الضوء المنتشر في كل مكان، ولكن المشكلة تكمن في ايجاد علاقات ترابطية بين مجموع الخطوط والأشكال والتكوينات والألوان والتراكيب والعلامات التي لا تأتلف إلا بوجود الضوء. وهنا يكمن سر المصور البصير بأهمية الضوء وما يعكسه من مفاهيم حينما يسقط على العناصر والأشياء، لتتحول عنده الى مادة خام يستخلص منها فلسفته وفكرته التي وجدتها التكوينات الضوئية والظلية. 

وبالرجوع الى العمل ؛ نجد ان الكادر احتوى على مقدمة ووسط وخلفية، وهي رمزية تجمع الماضي والحاضر والمستقبل لبيئة حضارية تميزت بالماء والطين والمركب. الماء ذلك العنصر الذي يحمل سر الحياة وديمومتها، كما هو حال الطين الذي هو اساس خلق الإنسان ورمز حضارة سومر، وللمركب الذي يرمز الى سير الزمان وكر الدهر يسوقنا نحو ابدية تعود بنا الى اصلنا وجذورنا، مذكرنا بترابط ( الماضي والحاضر والمستقبل) ليشكلا قصة انسان. لقد شغل العمل المساحات الفارغة والفجوات والفضاءات وفق اسلوب يتفاوت بين البساطة والاختيار الأمثل، يظهر فيها الإيقاع ( الترتيب والتكرار والتركيب) وايضا التنظيم والتنسيق والضبط والتقاطع والاستقرار. وأيضا يبرز التعارض حينما نجد المقدمة التي نظن للوهلة الاولى انها اعترضت العين ومنعت الاستمرارية في المد البصري، لكنها كانت هي ثقل الصورة الأكبر ومرتكز الفنان الذي استغلها بذكاء لتبدئ معها الرحلة الضوئية وانت محمل بكم من المعلوماتية لتستكشف منها بقية الكادر. هذا الثقل في المقدمة تجده قد رسم لنا شكلا هندسيا( مثلث) فكان هو القاعدة ينطلق منه ضلعان نحو رأس الرجل ومركبه الذي مالت حركته الى العمودية بعدما كانت في البداية أفقية ( والأشكال الأفقية: تعني الثبات والدعة والاستقرار) وكأن المقدمة تقول لنا انطلقوا بهذا الثبات والاستقرار في دعة المساحات. وحينما وصلنا للمركب الثاني وجدنا الحركة التي اضفت ديناميكية للعمل وكسرت الجمود بمركب عمودي يرمز الى النمو والعلو والرفعة. نمو الأنسان الكادح وعلو مرتبته ورفعته التي تغنيه عن الأخرين. حتى اذا ما وصلنا الى الخلفية نجد الوتيرة اختلفت والأيفاع تصاعد مذكرنا بالمقدمة في عصف ذهني واثارة تساؤلات عن وجهته ،الا ان استغرابنا ينقشع حينما نجد أن اتجاه مركبته نحو اليمين التي توصل لنا رسالة انتهاء يومه ويمن سفرته وحصاد سعيد ( اتجاه العناصر الى جهة اليمين هي اقوى من اتجاهها الى اليسار) لذا تراه مسرعا مضيفا لبقية المساحات بعدا ثالثا وعمقا أخاذ. وحينما نفكك الصورة نجدها احتوت على ثلاث كوادر اجتمعن في لحظة صفا ليرسمن لنا لحنآ ممزوجا بخرير ماء أصيل وبُعد إنساني نقي الضوء، في رسالة اجتمعت اكوادها لتفتح لنا شفرتها الجينية بأبهى حلة كي توصلنا الى اصل تلك البقعة من اهوار الجنوب السومرية. استطاع الفنان عبد الرضا عناد ان يستنطق الضوء وظله في تركيب بصري متناغما ممسكا في لحظة عرضه، بُنية مكانية زمانية محددة لإيصال الصورة الفكرية ( المفهوم) الذي هو أساس قوة الصورة المتفردة. 
_________________________ 


الانثروبولوجيا: هي علم دراسة الأنسان. 

*- كتاب الصورة حكاية أنتروبولوجية، د/ علاء جواد كاظم.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عدسة الذات قراءة سيكولوجية في الصورة الشخصية

  عدسة الذات عدسة الذات: قراءة سيكولوجية (نفسية) في الصورة الشخصية. الصورة الشخصية أو ما نعبر عنه بتصوير الوجوه(البورتريه) بالخصوص، ليست تمثيلاً بصرياً للوجه أو المظهر الخارجي، ولا تُختزل الذات بما تلتقطه العدسة، بهل هي انعكاس نفسي عميق لهوية الفرد وتفاعله مع ذاته والمجتمع والبيئة المحيطة به. ومن منظور سيكولوجي(نفسي) تعتبر الصورة الشخصية "عدسة الذات" التي تنقل صورة مركبة تجمع بين الواقع النفسي، والهوية الاجتماعية لتصل في بعض الأحيان تعبر عن الرغبات الداخلية. بل أن البورتريه يكون في مرحلة معينة وعبر التكوين والضوء والتمثيل، تنعكس الذات كمرآة مزدوجة: بين ما نحن عليه وما نرغب أن نكونه “سنشير لما قاله رولان بارت"، بل هي صراع بين الواقع والرغبة، وبين الانا والأخر "كما جاء في نظرية فرويد النفسية" تتجلى الذات بوصفها موضوعاً ساكناً أمام العدسة فحسب، بل كيان يتداخل فيه المرئي بالمكبوت، والظاهر والمتخيل، لذا أصبحت الصورة الشخصية في هذا الزمن الرقمي اليوم وتحولاته وتمدد حضور الهوية البصرية، ما هي إلا انعكاسات مزدوجة للوعي واللاوعي، مما يدفعنا الى استكشافها ضمن قراءة سيكو...

الظلال في التصوير الفوتوغرافي بين المعنى النفسي والرمزي والتجلي القرآني

الظلال في التصوير الفوتوغرافي: بين المعنى النفسي والرمزي والتجلي القرآني قراءة في عمل المصور الفوتوغرافي AbdelAzim Altaghloby photography AbdelAzim Altaghloby مقدمة منذ عرف الإنسان الضوء ، عرف معه الظل . فالظل ليس مجرد انعدام الضوء، بل له بًعداً وكيان بصري ووجداني وجمالي، يحفز على التأمل ويثير التساؤل. فلا تكتمل صورة أو عمل ضوئي دون توازن الضوء والظل، وكأنهما ركنان متكاملان وتوأمين لا يفترقان في تشكيل الرؤية والمعنى. لذا نجد الظل في التصوير الفوتوغرافي يعد أساساً يساهم في تشكيل العمق والبعُد والمزاج العام للصورة. فالصورة التي تعتمد على توزيع مدروس للضوء والظل، تخلق إحساساً بالدراما أو الحنين أو الغموض حسب العمل المقدم. الظلال حسب المدرستين النقديتين النفسية والرمزية أما التفسير النفسي للظلال، "وهنا على المصور أن يدرك ذلك المعنى" ينظر إلى الظل بوصفه جزءً من اللاوعي، حيث يمثل الجانب المكبوت أو المنسي في الذات، وكناية عن الوحدة أو الغياب، أو حتى حضور غير مرئي. ففي بعض الأحيان حينما يصور المصور الظلال فإنه يعكس صراعاته بشكل غير واعٍ أو أحلامه أو حتى قلقه، لذا والحال كذلك ف...

الضوء كاشف عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه

  الضوء كاشف: عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه. الضوء في الصوة الفوتوغرافي ة، عامل مهم لنجاحها، فكل صورة أو تعرض ضوئي يعتمد اعتمادا كلينا على الضوء. ويتحول هذا العامل الرئيسي، إلى كاشف عن حالة إنسانية داخلية، تظهر مكامن النفس أكثر مما يظهر المشهد في تفاصيله الأخرى وعناصره. وفي طريقة استغلال الضوء ومن خلال الرمزيات أو طرق توزيعه، وفي تكوينه تكمن الرسالة والسردية البصرية. فقد يكون هذا الضوء حاد في صورة هادئة، وهنا يرمز ويكشف عن القلق أو الاضطراب، أو أن تكون معتمة لكن ببقعة ضوء خافتة تعبر عن الأمل أو التفائل، او الفرج، أو انتهاء أزمة أو مشكلة وهكذا ممن يدخل ضمن النظريات النفسية والفلسفية للفن. بعض المفاهيم الفلسفية والنفسية للضوء لسفارته في الصورة:         جمالياً: يرتبط هذا المفهوم بنظرية الضوء والظل في الفن الكلاسيكي، حيث يرمز ومن خلال هذه النظرية إلى العقل و الوعي و العلم والمعرفة، بينما يشير المعنى المضاد للضوء أي الظل إلى اللاوعي وما هو مكبوت، وما تخفيه النفس الإنسانية..         فلسفياً: نستطيع الاستعانة بالفهم الفينوم...