أجعل صورتك تحمل سمتك
السِّمة... البصمة التي تفضحك قبل توقيعك.
كثيراً ما تمر أمامنا صورة، لا نعرف صاحبها، لكننا نهمس في داخلنا: هذه لمسة فلان.
وفيلمٌ نشاهده لثوانٍ فنعرف مخرجه، وبيتُ شعرٍ نقرأه فنقول: هذا للشاعر فلان، لا أحد غيره يكتبه بهذه الطريقة.
من أين جاء هذا الحدس؟ كيف عرفناه دون دليل؟الجواب بكلمة واحدة: السِّمة.
التصوير الضوئي ليس زراً نضغطه، هو فرعٌ أصيل من فروع الفنون الجميلة، أو الآداب الرفيعة كما كان يسميها العرب قديماً: الرسم والشعر والنحت والعمارة والموسيقى والتمثيل.. وغاية كل هذه الفنون مجتمعة هي الجمال.
وما لم يكن للفنان سِمة، فهو مجرد ناسخ، يكرر ما فعله غيره بمهارة، لا بروح.فما هي السِّمة؟
السمة ليست فلتراً في الفوتوشوب، ولا عدسة غالية.السمة هي تلك الرجفة الخفية التي تسري في صدرك حين تقف أمام الكادر، هي الحنين الذي يوقظك، هي الطقس الوجداني الذي تقيمه روحك مع الضوء لتمارس نزعة إنسانية خالصة. هي المعنى الميتافيزيقي الذي لا يُكتب، بل يُحس.
باختصار: السمة هي روح العمل. هي الجاذب اللاإرادي الذي يجعل المتلقي يتوقف، يتأمل، ولا يمر مرور الكرام.كل مصورٍ يختار سمتَه كما يختار قدره. واحدٌ يجد نفسه في الزوايا المنخفضة، آخر يذوب في العدسات الواسعة، ثالثٌ يعشق العزلة في البورتريه، ورابعٌ يصنع سحره في المعالجة الرقمية بعد التصوير.
لا يهم الطريق، المهم أن يكون لك طريق لا يشبه طرق الآخرين.هذه اللمسة لا تُشترى ولا تُستعار، تُنتزع انتزاعاً من التجربة والفشل والمحاولة، من وجهة نظر تريد أن تصرخ بها للعالم: هكذا أرى أنا الحياة.
ولن تتولد هذه السمة حتى يكون المصور ممتلئاً حد الفيض. ثقافة بصرية عالية، إحساس مرهف، شعور فيّاض بالأشياء، وتذوق جمالي يسكن الفكر قبل العدسة.لهذا تحديداً، بعض الصور تخطفنا دون غيرها.لأن اللغة لم تعد وحدها من تروي. الصورة اليوم تنافس القصيدة والرواية، لكن بلسانٍ آخر.. بلسان الضوء.
لسانٌ لا يحتاج ترجمة، يكتب كلماتٍ ليست كالكلمات، وعباراتٍ ليست كالعبارات، بل أجزل وأعمق وأصدق، لأنه يُرى بالعين فيناغي الفكر مباشرة، ويتسلل لخلجات المتلقي فينتزعه من غفلته نحو الهدف السامي للعمل.
ماذا تمنحك السِّمة؟
أول ما تمنحه لك هو النجاة من كونك نسخة.كثيرون يظنون أن تقليد أسلوب مصورٍ ناجح سيمنحهم جزءاً من نجاحه، وهذا وهم كبير. التقليد يصنع منك صدىً باهتاً، ويمسخ شخصيتك الفنية.أما السمة فتصنع منك كياناً مستقلاً، نمطاً فكرياً خاصاً، تستطيع من خلاله إيصال رسالتك الإنسانية، ويصبح اسمك مقترناً باحترام وتقدير، لأن الناس لا تحترم الصورة الجميلة فقط، بل تحترم الروح التي تقف خلفها.السمة في النهاية هي الحياة الماورائية للصورة، تُدرك عقلاً وتُحس وجداناً.
هي البصمة الجينية لوليدك البصري، الوليد الذي يشبهك ولا يشبه أحداً غيرك، والدليل القاطع أنك أنت أبوه.
حسين نجم
