حين تصبح الكاميرا موضع شبهة
كيف يحمي المصور نفسه من الخوف والمصادرة؟
يخرج المصور إلى الشارع وفي ذهنه صورة يريد
التقاطها، لكنه قد يجد نفسه قبل الضغط على زر الغالق يفكر في سؤال آخر: هل سيُسمح لي
بالتصوير؟ هذا السؤال ليس تفصيلًا عابرًا، لأنه يغيّر علاقة المصور بالمكان والناس.
بدل أن ينشغل بالضوء والتكوين وتعبير الوجوه، يبدأ بمراقبة من يراقبه، ويحسب المسافة
بينه وبين نقطة التفتيش، ويتوقع احتمال مصادرة كاميرته أو حذف صوره. وفي بعض المدن
العراقية، كما في بلدان كثيرة، ارتبطت الكاميرا أحيانًا بالتوثيق الأمني أو الصحفي،
فصار وجودها في مكان حساس سببًا كافيًا للريبة.
المشكلة لا تتعلق بالمصور وحده. هناك نقص في الوعي العام بحقوق التصوير، وغموض في التعليمات، واختلاف بين ما هو ممنوع فعلًا وما يراه بعض الأفراد ممنوعًا بحسب تقديرهم الشخصي. كما أن المصور نفسه قد يذهب إلى موقع حساس من غير أن يعرف طبيعته أو يتأكد من القواعد الخاصة به. وعندما يقع الاحتكاك، يتصرف بعض المصورين بانفعال، فيتحول خلاف بسيط إلى موقف أشد توترًا.
أول معالجة تبدأ من الاستعداد لا من المواجهة. على المصور أن يميز بين الشارع العام، والمنشأة الحكومية، والموقع العسكري، والمكان الخاص، وأن يسأل قبل التصوير عندما تكون طبيعة الموقع غير واضحة. السؤال المهذب ليس اعترافًا بالخطأ، بل وسيلة لحماية العمل. ويمكن للمصور أن يحمل بطاقة تعريف مهنية أو كتابًا مختصرًا يوضح الجهة التي يعمل معها وموضوع التصوير، حتى لو كان يعمل بصورة مستقلة. هذه الخطوة لا تضمن قبول التصوير دائمًا، لكنها تقلل سوء الفهم.
ومن المفيد أيضًا إعداد خطة صغيرة لكل جلسة تصوير. يحدد المصور المكان والوقت، ويحفظ أرقام شخص يمكن الاتصال به، ويتجنب تصوير نقاط السيطرة أو الوجوه في المواقف الحساسة من دون موافقة. كما ينبغي الاحتفاظ بنسخة احتياطية من الصور بصورة دورية، لا لأن المصادرة أمر طبيعي، بل لأن حماية العمل جزء من المسؤولية المهنية. ويمكن استخدام ذاكرة إضافية أو نقل الصور بعد انتهاء الجلسة إلى مساحة تخزين آمنة، مع تجنب وضع بيانات شخصية حساسة في الجهاز نفسه.
أما عند إيقاف المصور، فالأفضل أن يهدئ صوته ويشرح غرضه بوضوح، وألا يدخل في جدال طويل أمام الناس. إذا طُلب منه التوقف، يستطيع أن يتوقف مؤقتًا، ويسأل عن الجهة المخولة وعن الإجراء المطلوب. لا تعني هذه النصيحة التنازل عن الحق أو قبول التعسف، بل تعني أن السلامة تسبق الصورة، وأن توثيق التجاوز يمكن أن يتم لاحقًا عبر القنوات المناسبة. من الحكمة أيضًا ألا يحذف المصور الصور تحت ضغط لحظي إذا كان ذلك قد يعرّضه لخطر أكبر، بل يطلب معرفة السبب والإجراء الرسمي بهدوء.
وتحتاج المؤسسات الثقافية والإعلامية إلى دور واضح. يمكن للنقابات والجمعيات والجامعات تنظيم كتيب مبسط يشرح للمصورين حدود التصوير، وطرق طلب الإذن، وكيفية التعامل مع المصادرة أو الاحتجاز. كما يمكن عقد لقاءات مع الجهات المحلية والأمنية لتعريفها بطبيعة العمل الفوتوغرافي، فالمعرفة المتبادلة تقلل الشك. وليس مطلوبًا أن تتحول كل جلسة تصوير إلى معاملة معقدة؛ المطلوب تعليمات معلنة، ومسؤول معروف، وطريقة سهلة للحصول على الموافقة عند الحاجة.
كذلك يستطيع المصورون بناء ثقافة مهنية فيما بينهم. قبل الذهاب إلى مكان جديد، يتبادلون المعلومات عن شروطه، ويحترمون خصوصية الناس، ولا يصورون مشهدًا حساسًا لمجرد الحصول على لقطة مثيرة. فالمهنية لا تعني امتلاك كاميرا غالية، بل معرفة متى نصور وكيف ولماذا. وعندما يلتزم المصور بهذه القواعد، يصبح من الأسهل أن يطالب بحقه وأن يشرح للآخرين أن الكاميرا أداة معرفة وفن، لا أداة اتهام.
الحل إذن ليس في الخوف الدائم ولا في التحدي غير المحسوب. الحل في معرفة المكان، ووضوح الغرض، وطلب الإذن عند الحاجة، وحفظ نسخة من العمل، والتعامل الهادئ، والعمل الجماعي من أجل تعليمات واضحة. بهذه الخطوات يستعيد المصور تركيزه على الصورة، وتصبح الكاميرا جسرًا بينه وبين المجتمع بدل أن تكون سببًا دائمًا للريبة.
ومن المفيد أن يتعلم المصور جملة تعريف قصيرة
يكررها عند الحاجة: «أنا أصور مشروعًا عن كذا، ولا أستهدف المنشأة أو الأشخاص». هذه
الجملة تمنع التفسيرات المتعددة، خصوصًا عندما يكون المصور شابًا أو يعمل منفردًا.
كما يمكنه اختيار عدسة مناسبة لا تجعله يبدو كأنه يراقب الناس من بعيد، وأن يتجنب الوقوف
طويلًا في مكان واحد بلا سبب ظاهر. تنظيم الحركة والسلوك يرسل رسالة مهنية قبل أن تبدأ
أي محادثة. وعلى المصورين القدامى أن ينقلوا خبرتهم إلى المبتدئين، فيحذروهم من المواقع
أو الأوقات التي تتطلب احتياطًا أكبر، بدل ترك كل شخص يكتشف الخطر وحده.
ويمكن للنوادي الفوتوغرافية أن تضع بروتوكولًا مختصرًا يتدرب عليه الأعضاء قبل الخروج: التعريف بالنفس، تحديد الغرض، احترام المنع، تسجيل الواقعة، ثم التواصل مع الجهة المهنية عند الحاجة. وجود هذه الخطوات في الذاكرة يخفف الارتباك عندما يأتي الموقف فجأة. كما ينبغي عدم نشر مقاطع السجال على المنصات لحظة وقوعه قبل التأكد من سلامة الأشخاص، لأن الرغبة في إثبات الحق قد تزيد الخطر. التوثيق المسؤول يبدأ بحماية الإنسان ثم يأتي دور النشر والمساءلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تجربة مصور سيبستيان سلغادوا sebastian salgado أنموذجاً
2- اوليفر بيردز وعيد المصور العراقي
حسين نجم السماوي
2026

.png)
.png)
.png)
.png)