التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحليل عمل الفنان الرقمي والمصور الفوتوغرافي الأستاذ زهير شعوني

لوحة ولدت من رحم الفجيعة فأصبحت أيقونة الحزن.

تحليل عمل الفنان الرقمي والمصور الفوتوغرافي الأستاذ زهير شعوني.

العمل لفنان عراقي، وأحد مؤسسي الجمعية العراقية للتصوير، وصاحب أول تجربة رقمية، في العراق، والوطن العربي هاجر من وطنه، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر فيها الى وقتنا هذا، إلا انه لم يفارق خياله، وروحة، ما يجري على بلده، ويعيش كل حالاته، بتجرد من اي مسمى أخر، سوى تشبثه بعراقيته، وهذا الوفاء، تجسد في كثير من أعماله، التي عبرت عن ذلك الحنين، والشوق، لأزقة بغداد وشارع الرشيد، الذي عاش فيه فترة شبابه يعمل كمصور صحفي.

اسم العمل:العمل تحت مسمى (الكرادة) والكرادة الشرقية هي منطقة في بغداد تقع على الجانب الشرقي لنهر دجلة المسمى جانب الرصافة من بغداد، شهدت خلال السنتين الأخيرتين عدة تفجيرات مأساوية ذهب ضحيتها الكثير من الشباب والأطفال والنساء والكهل.

تأريخ العمل:


29-5-2017 بقياس 19×13 أنج

تحليل عمل الفنان الرقمي والمصور الفوتوغرافي الأستاذ زهير شعوني







محور العمل:

عمل رقمي محوره التجريد التعبيري. والفن التجريدي: نوع من انواع فن القرن العشرين، ينبذ الموضوع المحدد المعالم، ويصبح العمل بذاته موضوعا، قيمته في بنائه الداخلي، وفي تنظيم عناصره، وتماسك أجزائه، وهو محور مستخلص من المدرسة التكعيبية، ويسمى ايضا فن لا موضوعي، فهو يتجه للشكل، واللون، والخط، والأعمال فيه تقوم على العلاقة الفنية، بين الخط، واللون، والمساحة، وكذلك يقوم بتحويل العناصر الى اشكال، تشبه الأشكال الهندسية (مثلث، مربع، مستطيل، دائرة) بحيث يوحي الشكل الواحد معاني متعددة. ويعتبر الروسي كندنسكي هو رائد التجريدية التعبيرية.

وصف العمل:

اخذ العمل كادر مستطيل، بطول 19 انج ليضم المحتوى كاملآ، الذي رسمه الفنان في مخيلته، ويصبه بهذا القالب، وايضا ليعطينا رمزية لاستطالة المأساة، وامتدادها الأفقي داخل الفريم، ليفسح المجال للعين بالبحث عن المخزون الفني، والتواصل البصري، وفك شفرة العمل، ونرى في العمل وجوه ثلاثة؛ وتجويفات متعددة، اخذت اشكال هندسية، دائرية تارة وبيضوية تارة اخرى، وعظام نخرة، وشظايا منتشرة، كما اننا نلاحظ، تسيد اللون الرمادي بتدرجاته، في أغلب مساحات العمل مع ضربات خفيفة للون الأسود.

 توزعت الوجوه على ثلاثة مناطق من المساحة الكلية، ففي بداية الفريم العمودي على يمين المتلقي يستقبلنا وجه قد تأثرت ناصية جبينه بل وانعدمت وتهشمت وهو يصرخ ويتألم، وبجنبه خط على شكل عظم نخر، وفجوة، ثم الوجه الثاني، مغمض العينين، غير واضح الذقن، ومتهري الخدين، منطبع على جبينه، بقعة رمادية قاتمة، واخرى أقل قتامة، ثم تجويفات رمادية بتدرجات مختلفة، أسفلها وجه، يوحي بالموت، ذو أنف بلون رمادي، قاتم ثم يستمر السرد يسار المتلقي، فلا اثر لوجه، ولا دليل على الحياة، بتجويفات يصخب فيها الفراغ، والشظايا، بصراخ الثكالى والارامل، مما جعلها قفرا موحشة. هناك تماسك واترابط، بين المساحات اللونية، والخطوط الرمزية، ذات الدلالات الحسية، والحدسية، مكملة بعضها بعضا، بتناغم سردي، وتضاد لوني، يعاضد بعضها، البعض الأخر، وخطوط بتعرج ونتوء، كذلك المقطوعة، دون نهاية في بنية العمل.
جذبت الوجوه الذابلة، العين قبل غيرها من العناصر، لمعرفة ما بها، واختلفت كتلها، ومناطقها اللونية، بين أغمق لونآ، وذو تباين أعلى، وبين البسيط، والأكثر تعقيدا، كما أن اللون الرمادي، صاحب المساحة الكبرى، كان عامل جذب، إضافي، يثير التساؤل، لإشغاله فضاءات مترامية، وبتدرجات مختلفة، والذي كان معبراً، عن انتشار، الموت، والفناء، والهلاك.

الملمس:

يميل الى الخشونة، واكب أصل الحدث، ولجأ الفنان، الى الانسجام، والتضاد، عند توزيع عناصره، حتى لا تغلب، على العمل، صفة الملل، أو الفوضى، كما اننا نشهد العمق، ليس بعداً ثالثاً، إنما هو عمق إنساني، لأصل الفجيعة، ويكون إدراكه شعورياً، معتمداً على فطنة، وتمازج، روحية العمل، مع روحية المتلقي.
كما أن الوحدة بين العناصر كانت متماسكة ومترابطة من حيث توزيع الكتل والفراغات ويجمع بين التضاد والانسجام.

التفسير-- ماذا يعني العمل؟

إن الأزمات والحروب، والضوائق، كانت دائماً ملهمة، للفنانين، والشعراء، والأدباء، ومن بادر ونهض، وقت الازمات، هو من خلده التاريخ، لذا نجد الفنان زهير شعوني، لم يركن للدعة، أو أبتعد عن منغصات البال، بل ان ما يجري في العالم، وفي بلده بالخصوص، قد استنهض فيه، روح الوطنية، والإنسانية، لتفجر من خلال فكره، وريشته، (مجازاً عن الماوس) غضبه، لما يجري؛ وامتزاج مشاعره، مع مشاعر ذوي الضحايا، لذا لجأ للتعبير عن ذلك، من خلال هذا المنتج الفني، الذي جسد الفجيعة، جراء التفجير، الذي حدث في الكرادة، معبراً فيه، عن موت الإنسان، دون ذنب، أو جريرة، لأناس مسالمون، غيبهم الموت، وغير ملامح وجوههم، وتراكم العظم، على العظم، والراس المفصول عن جسده، لينشر الموت ثوبه الرمادي، الصارخ بوحشية، ما يجري، من الأنسان، لأخيه الأنسان، دون أن يرف له جفن، تاركاً الحسرات، (الفجوات في العمل) تأكل القلب، وتلكم الروح، وتحفر في قلوب، ذوي الضحايا، حزن فراق الأحبة، الذي ينهش القلب، ويذيب شحمة العيون من البكاء، في عويل، مداه افق السماء، إن جن الليل، صاحبته أدمع مسفوحة كالميزاب، على خدين محمرتين، وإن لاح الفجر، أبصرت مكان الخلان خال، فيتجدد النواح.
 مغمضة العينين تلك الوجوه، معلنة رحيلها، من بين أتون، اللهب والنار، وتطايرت، تطاير الشظى، لها في كل مساحة عضو يصرخ الظليمة، الظليمة.
 لوحة لا أقول أنها، اختزلت الفاجعة كلها، إلا أنها استطاعت، أن تسلط الضوء عليها، بكل حرفية، وإنسانية، بسمو مشاعر، وقداسة دماء، كل ذلك لكننا، نحتاج الوقوف امامها، متوضئين من مدامعنا، متأملين بروية، وسكينة، مستحضرين ما جرى في ذلك المكان المسمى بالكرادة، التي أصبحت ايقونة حزن.


 حسين نجم السماوي
 2017


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عدسة الذات قراءة سيكولوجية في الصورة الشخصية

  عدسة الذات عدسة الذات: قراءة سيكولوجية (نفسية) في الصورة الشخصية. الصورة الشخصية أو ما نعبر عنه بتصوير الوجوه(البورتريه) بالخصوص، ليست تمثيلاً بصرياً للوجه أو المظهر الخارجي، ولا تُختزل الذات بما تلتقطه العدسة، بهل هي انعكاس نفسي عميق لهوية الفرد وتفاعله مع ذاته والمجتمع والبيئة المحيطة به. ومن منظور سيكولوجي(نفسي) تعتبر الصورة الشخصية "عدسة الذات" التي تنقل صورة مركبة تجمع بين الواقع النفسي، والهوية الاجتماعية لتصل في بعض الأحيان تعبر عن الرغبات الداخلية. بل أن البورتريه يكون في مرحلة معينة وعبر التكوين والضوء والتمثيل، تنعكس الذات كمرآة مزدوجة: بين ما نحن عليه وما نرغب أن نكونه “سنشير لما قاله رولان بارت"، بل هي صراع بين الواقع والرغبة، وبين الانا والأخر "كما جاء في نظرية فرويد النفسية" تتجلى الذات بوصفها موضوعاً ساكناً أمام العدسة فحسب، بل كيان يتداخل فيه المرئي بالمكبوت، والظاهر والمتخيل، لذا أصبحت الصورة الشخصية في هذا الزمن الرقمي اليوم وتحولاته وتمدد حضور الهوية البصرية، ما هي إلا انعكاسات مزدوجة للوعي واللاوعي، مما يدفعنا الى استكشافها ضمن قراءة سيكو...

الظلال في التصوير الفوتوغرافي بين المعنى النفسي والرمزي والتجلي القرآني

الظلال في التصوير الفوتوغرافي: بين المعنى النفسي والرمزي والتجلي القرآني قراءة في عمل المصور الفوتوغرافي AbdelAzim Altaghloby photography AbdelAzim Altaghloby مقدمة منذ عرف الإنسان الضوء ، عرف معه الظل . فالظل ليس مجرد انعدام الضوء، بل له بًعداً وكيان بصري ووجداني وجمالي، يحفز على التأمل ويثير التساؤل. فلا تكتمل صورة أو عمل ضوئي دون توازن الضوء والظل، وكأنهما ركنان متكاملان وتوأمين لا يفترقان في تشكيل الرؤية والمعنى. لذا نجد الظل في التصوير الفوتوغرافي يعد أساساً يساهم في تشكيل العمق والبعُد والمزاج العام للصورة. فالصورة التي تعتمد على توزيع مدروس للضوء والظل، تخلق إحساساً بالدراما أو الحنين أو الغموض حسب العمل المقدم. الظلال حسب المدرستين النقديتين النفسية والرمزية أما التفسير النفسي للظلال، "وهنا على المصور أن يدرك ذلك المعنى" ينظر إلى الظل بوصفه جزءً من اللاوعي، حيث يمثل الجانب المكبوت أو المنسي في الذات، وكناية عن الوحدة أو الغياب، أو حتى حضور غير مرئي. ففي بعض الأحيان حينما يصور المصور الظلال فإنه يعكس صراعاته بشكل غير واعٍ أو أحلامه أو حتى قلقه، لذا والحال كذلك ف...

الضوء كاشف عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه

  الضوء كاشف: عن الحال في العمل الفوتوغرافي علينا إدراكه. الضوء في الصوة الفوتوغرافي ة، عامل مهم لنجاحها، فكل صورة أو تعرض ضوئي يعتمد اعتمادا كلينا على الضوء. ويتحول هذا العامل الرئيسي، إلى كاشف عن حالة إنسانية داخلية، تظهر مكامن النفس أكثر مما يظهر المشهد في تفاصيله الأخرى وعناصره. وفي طريقة استغلال الضوء ومن خلال الرمزيات أو طرق توزيعه، وفي تكوينه تكمن الرسالة والسردية البصرية. فقد يكون هذا الضوء حاد في صورة هادئة، وهنا يرمز ويكشف عن القلق أو الاضطراب، أو أن تكون معتمة لكن ببقعة ضوء خافتة تعبر عن الأمل أو التفائل، او الفرج، أو انتهاء أزمة أو مشكلة وهكذا ممن يدخل ضمن النظريات النفسية والفلسفية للفن. بعض المفاهيم الفلسفية والنفسية للضوء لسفارته في الصورة:         جمالياً: يرتبط هذا المفهوم بنظرية الضوء والظل في الفن الكلاسيكي، حيث يرمز ومن خلال هذه النظرية إلى العقل و الوعي و العلم والمعرفة، بينما يشير المعنى المضاد للضوء أي الظل إلى اللاوعي وما هو مكبوت، وما تخفيه النفس الإنسانية..         فلسفياً: نستطيع الاستعانة بالفهم الفينوم...